المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مسائل وردود للمرجع السيد محمد سعيد الحكيم


asd55
26-11-2004, 10:07 AM
س: سيدي ومولاي يشهد الله أني من المحبين ومن المتعلقين بكل مخلوق في هذا العالم ينتمي إلى مذهب أهل البيت , وأنا من سورية واسمي علي بكفلاوي / أبو غدير/ وكان لي شرف لقائكم سيدي الكريم عندما زرتم سورية , سيدي الكريم المحترم والموقر انتم موضع التقدير والثقة الغالية أود أن أسألكم سؤال المحب عن سبب هذا الفتور في تعامل اخوتنا في العراق مع القوات الشيطانية الأميركية؟
لقد كثر القيل والقال عن عدم وجود أي تحرك شيعي ضد القوات الغازية في حين هناك تحرك قوي من قبل الطرف الآخر , ونحن أقلية تعمل لنشر مذهب أهل البيت في سورية وهذا يعرفه الشيخ عماد المشهدي جيدا مما يسبب لنا بعض الإحراجات في الرد على مثل هذه الاتهامات ارجوا منكم التفضل ببيان السبب؟

ج: بالنسبة للوضع الحالي في العراق لأجل أن يتضح الموقف لابد من معرفة خلفية الأحداث منذ بدايات القرن الحالي وقبل ذلك لابد أن نوضح طبيعة التركيبة السكانية العراقية، فالعراق تعيش فيه قوميات وأديان ومذاهب يشكل شيعة أهل البيت (عليهم السلام) حوالي 60 ـ 65 % منهم، بينما يشكل الأحناف وغالبيتهم من العرب حوالي 17% من السكان والباقون من الأكراد والتركمان.
وقد تصدى علماء الشيعة في العراق لمقاومة الاحتلال البريطاني وأبلو بلاءً حسناً رغم أن الحكام السابقين كانوا عثمانيين متعصبين ضد الشيعة، لكن أكثر السنة العرب تحالفوا مع البريطانيين ولذلك سلّموهم الحكم في العراق تحت التاج البريطاني منذ عام 1917م، وفي عام 1920م قاد علماء الشيعة ثورة عارمة للتخلص من الاحتلال البريطاني بعد أن اخلف البريطانيون بوعودهم في الاستقلال، ومنذ استقلال العراق سلّم البريطانيون الحكم للأحناف العرب، وقد ثبتّت الحكومات العراقية العميلة المتتالية موقعية الأحناف العرب في الحكم، وتمّ إقصاء الشيعة والأكراد كما مورست ضدهم ابشع أنواع التمييز المذهبي والقومي، وتفاقم الوضع في ابان حكم حزب البعث خاصة في عهد الطاغية المتوحش صدام التكريتي، حيث مارس سياسة التمييز المذهبي والقومي على جميع الأصعدة متجاوزاً كل الحدود وقام بعمليات التدمير والقتل والإبادة الجماعية على نطاق واسع وكذلك امتهان الكرامة وسلب الحقوق الأولية للأغلبية الساحقة من الشيعة العرب والأكراد والتركمان، ولم يعد شيعة أهل البيت (عليهم السلام) يتذّوقون الحد الأدنى من المواطنة في العراق، ولا تشكل المقابر الجماعية المنتشرة في العراق إلاّ نسبة ضئيلة من عمليات الإبادة الجماعية التي مارسها صدام وزمرته من قوى الأجهزة الأمنية المتنوعة ضد شيعة آل البيت (عليهم السلام) مدعوماً بغطاء عالمي وعربي، حيث كان دافع القوى الكبرى في ذلك مواجهة المدّ الإسلامي الذي حمل لواءه شيعة آل البيت (عليهم السلام)، بينما كان الدافع العربي الحقد الطائفي الذي تكنه الحكومات العربية والأحزاب العربية لشيعة آل البيت (عليهم السلام)، ولذلك نجد أنه أبان الحرب العراقية الإيرانية رغم دعم الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا والغرب رسمياً لصدام ضد إيران إلاّ أن الأحزاب العربية أو (الإسلامية) السنية فضلاً عن الحكومات لم تهاجم نظام البعث رغم انه كان يصرّح بموقفه التابع للغرب، وحتى حينما كان صدام يدعم بشكل علني ميشال عون زعيم المسيحية المارونية في لبنان، وكذلك الصرب ضد المسلمين، لم تقف الأحزاب الإسلامية ضده، كل ذلك لكي لا تضعف موقعيته أمام المعارضة الإسلامية الشيعية العراقية. وأوصدت البلاد العربية قاطبة ـ عدا سورية ـ أبوابها بوجه الملايين من العراقيين الهاربين من جحيم صدام، بل أن أجهزة المخابرات في العديد من الدول العربية كانت تتعاون مع أجهزة مخابرات صدام ضد شيعة آل البيت (عليهم السلام) مما اضطر هؤلاء المظلومين إلى السفر إلى مختلف البلاد الغربية التي ينتشرون فيها الآن واستمر الوضع بهذه الحالة إلى أن احترقت ورقة صدام عند أسياده بسبب رعونته وبسبب تغيّر الظروف والموازنات الدولية حتى قرروا التخلص منه. وتأكيدا لاستهتاره بحق العراق والعراقيين وطغيانه الذي أعماه عن كل شيء لم يرجع إلى رشده ودمّر العراق وجيش العراق في حرب خاسرة واضحة النتائج سلفاً.
وكما لاحظنا في فترة الحرب لم تقاوم الاحتلال سوى المناطق الشيعية مثل أم قصر والبصرة والناصرية والكوت والنجف الأشرف وغيرها. بينما حاولت القلة القليلة من العرب غير الشيعة والبعثيين أن تعيد صفقة عام 1917، 1920م مع المحتلين حيث سلّموا مدنهم من دون قتال على أساس أن تحفظ لهم امتيازاتهم السابقة، وبالفعل عندما جاء (غارنر) الحاكم العسكري المعيّن اصدر قراراً بتثبيت قيادات حزب البعث ـ عدا عدد محدود جداً ـ في الدوائر العراقية المختلفة، كاد التاريخ يعيد نفسه، لكن بغض الناس للبعثيين ـ وقادتهم عادة من غير الشيعة، ولذلك نجد أن قيادات النظام البائد يتم القبض عليها في مناطق غير شيعية ـ افشل تلك الخطة مما اضطر المحتلين إلى تغيير خطتهم، فعُزل (غارنر) وعين (بريمر) كحاكم مدني في العراق، فكان أول قراراته عزل قيادات حزب البعث من الدوائر وحلّ حزب البعث وإنهاء امتياز الأقلية، فقامت قيامة هؤلاء وعرفوا أن الوضع الجديد لا يسمح لهم بالحفاظ على امتيازاتهم، ورأوا كره الشعب لهم ـ كما يتجلى في الأفراح ومظاهر الابتهاج العارمة التي سادت العراق عند مقتل عدي وقصي وعند القبض على علي كيمياوي ـ وهو ما لا تعكسه القنوات العربية عادة ـ ولولا توصيات علماء الشيعة بضبط النفس لعمّت عمليات انتقامية على نطاق واسع ضد البعثيين ومن يقف وراءهم.
وعلى كل حال فيحاول البعثيون وأنصارهم الذي يشكلون الأقلية القليلة من العراقيين القيام بأعمال عنف بهدف زعزعة الأمن والاستقرار الداخلي والتي هي في واقعها ليست عمليات مقاومة احتلال ـ وإلاّ فأين كان هؤلاء في عهد صدام وجرائمه وتحالفه مع الولايات المتحدة وعملائها في الثمانينات؟! ـ وانما هي رسائل الولايات المتحدة بأن البلد لا يمكن أن يستقر من دون عقد صفقة مع هؤلاء فهم يضربون محطات كهرباء ومضخات المياه وأنابيب النفط والغاز وعمليات تفجير في أماكن عامة ولو بقتل الأبرياء، والهجوم على بعض العسكريين بهذا الهدف ـ ولذلك نجد أن علماء السنة في العراق لا يؤيدون هذه العمليات أيضاً ـ بينما الشيعة تعاملوا برفض الاحتلال من خلال الضغوط السلمية، لأن البلد الآن لا تحكمه مؤسسات دستورية وحكومية ـ لأن صدام حسين سخّر إمكانيات البلد لشخصه فانهار بانهياره ـ فالمواجهة توجب مزيداً من الدمار والهرج والمرج خاصة ان تنظيم البعث ما زال يحتفظ بكثير من عناصره فإفساح المجال له يعني التخريب والقتل وعمليات الانتقام الجماعية ضد المواطنين بمجرد أن تسنح لهم الفرصة، فكما دمروا وقتلوا ملايين العراقيين في الفترة السابقة يدمرون ويقتلون أكثر منهم إذا سنحت لهم الفرصة.
وهناك ملاحظة مهمة يفترض أن ينتبه إليها وهي ان الاحتلال الأمريكي للعراق ليس احتلالاً استيطانياً، وانما هو احتلال مؤقت أقرّه مجلس الأمن الدولي على أساس انعدام النظام في العراق، فإرباك الأمن والنظام العام يقوّي ذريعة المحتلين ويطيل فترة الاحتلال وقد كان للضغط السلمي آثاره الإيجابية فبينما كانت سلطة الاحتلال تصرّ أن يكون دور العراقيين مجرد المشورة على أساس تشكيل مجلس استشاري للحاكم المدني، اضطرت للتنازل والقبول بمجلس الحكم ومؤسساته التي تنبثق تدريجياً ـ رغم وجود سلطة الاحتلال ـ وهناك أمل ومساعٍ حثيثة في الإسراع بترتيب المؤسسات الحكومية والدستورية لتهيئة الأجواء لإجراء انتخابات ومن ثم حكومة وطنية تحترم هوية البلد الإسلامية وتحافظ على استقلال البلد وحقوق المواطنين كافة، وهو ما يؤكد عليه العلماء، والمخلصون في العراق، هذه نبذة يسيرة عن الواقع في العراق.
ولا يفوتنا أن نؤكد أن موقف الحكومات والأحزاب العربية موقف منافق غير نزيه، وتأريخ هذه الحكومات وتعاملها مع القوات الأجنبية واضح فليس من المعقول أن يستيقظ ضميرهم الآن وإنما هناك دوافع أخرى ـ معروفة بالأرقام التي لا تسمح الظروف الآن بكشفها ـ في سبيل إرباك الوضع داخل العراق، كي لا تعطى الأكثرية الشيعية حقوقها، ولا يكون هناك مكانة لشيعة أهل البيت (عليهم السلام) في هذا البلد.
والله سبحانه هو المسدّد والمعين.