
التشهير والدعاية كانا من أهم الآليات والأدوات التي استعملتها الحركة الصهيونية ثم دولة إسرائيل لاحقا، من أجل تحقيق أهدافها ومواجهة المعركة القائمة بين إسرائيل والعالم العربي، وخاصة الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج. ومن أهم الصياغات التي كان لها دور مهم جدا في تهيئة الرأي العام العالمي من خلال الإعلام الصهيوني آنذاك، تأطير القضية اليهودية بشكل يدعم نجاحها.
وتمثل ذلك في الترويج لمقولة الفيلسوف الصهيوني يسرائيل زنجفيل القائلة بأن فلسطين أرض بلا شعب لشعب بلا أرض. والجدير بالذكر بأن إسرائيل والكيان الصهيوني لايمتلك وزارة إعلام ورغم أن دولة إسرائيل هي الوحيدة في العالم التي تعتبر نفسها دولة ديمقراطية رسميا، فإنه يوجد فيها جهاز رقابة من قبل الجيش يعمل على مدار الساعة من خلال القانون لمراقبة جميع المنشورات والتصريحات المطبوعة وحتى التصريحات العسكرية.
وقد جاءت اتفاقية مبرمة بين محرري الصحف اليومية وممثلي الجيش تم الاتفاق عليها يوم 20 مايو/أيار 1949 حيث قررت لجنة المحررين الأمنية إلزام الصحف بما يلي: - منع نشر معلومات أمنية قد تساعد العدو أو تضر بالدولة. - الرقابة لا تشمل المعلومات السياسية أو الآراء أو التوقيعات إلا إذا كانت تمس بالأمن أو مستقبله. - الرقابة مبنية على التعاون بين الجيش والصحافة. - دائرة الرقابة تعد مسبقا قائمة بالمواد الممنوع نشرها.
ماأريد أن أتحدث به هنا وبعد هذه المقدمة هوا كيف ولماذا يستخدم الجيش الصهيوني الرقابة على وسائل الإعلام الدعاية خاصاً بحرب لبنان عام 2006م وحربه على قطاع غزة 27/12/2008م .
تفرض إسرائيل التي تشن حمله شرسة وعدوانيه على قطاع غزة والتي تتعرض منذ يومها الأول للعدوان،لإطلاق صواريخ من المقاومة الفلسطينية والتصدي البري لها ، رقابة تحد أو تؤخر نشر معلومات مرتبطة بمقتل جنودها أو عملياتها العسكرية الجارية، كما بحرب لبنان عندما انقضت حزب الله الشيعية بقيادة حسن نصر الله بالصواريخ على شمال البلدات الاسرائيليه وكبدتها خسائر كبيرة . ناطقا باسم الجيش يقول إن هذه الإجراءات "اقرب من المنطق منها إلى الرقابة بحد ذاتها".
ومن الأمثلة على ذلك "يمنع منعا باتا" ذكر الأهداف العسكرية خلال العمليات الجارية ونشر معلومات حول طبيعة القوات المنتشرة وتحركات الجنود أو القول بالتحديد أين وقعت الصواريخ التي تطلقها المقاومة الفلسطينية على البلدات الاسرائيليه ،ويقول عسكريون إن هذه القيود تهدف إلى المقاومة الفلسطينية من تحديد أهدافه. ويمنع كذلك نشر معلومات حول مقتل جنود طالما لم تعط الرقابة الضوء الأخضر إذ أن الجيش يتمسك بإبلاغ العائلات قبل إصدار النبأ. لكن الجيش الإسرائيلي وكيانه تفاجأ عند سقوط صواريخ المقاومة إلى مناطق وبلدات بعيده إلى الأقرب من الخيال التي قيست بعداً إلى 45 كم عن الحدود مع قطاع غزة، والتي جعلت الصحافة الاسرائيليه تكسر هذه الرقابة وتستخدمه كسبق صحفي مدعمه بالصور ،وتمنع الرقابة كذلك نشر معلومات مرتبطة بالترسانة النووية الإسرائيلية على ما تفيد مصادر أجنبية. نأتي الآن للحرب الدعائية على قطاع غزة والتي جسدها الاحتلال بالمناشير التي تهدد أهل القطاع بالقصف والقتل في حالة عدم إفادتها بالمعلومات عن أماكن أسلحة المقاومة وأنفاق التهريب واختراق الإذاعات الفلسطينية وبث الرسائل التي تأتي بإطار الحرب النفسية ، وصوت انفجار القنابل الذي يرعب المواطنين. نأتي الآن للحديث عن الدور الإعلامي والحرب الإعلامي العربي والذي جسده العراق بحربه مع الولايات المتحدة الأمريكية الداعمة للسلام المزيف بقيادة جورج بوش الأوفر حضا بتلقي ضربات العراقيين بالأحذية والتي تجسدت بالمؤتمرات الصحفية مع وزير الإعلام المقلوع والمصطلحات الاعلاميه الرائعة وخاصاً وصفه للجيش الأمريكي بالعلوج والذي جاء بعد انتهاء الحرب معلنتا سقوط النظام العراقي .
أما لبنان صاحبة الحظ الأوفر بهذه الحرب والأنجح والتي استطاعت خلال حرب لبنان 2006 مع الجيش الإسرائيلي بناء أعظم طرق الحرب الإعلامية والتي جاءت باختراق جميع وسائل الاتصالات ووسائل الإعلام الصهيونية وإدارة الحرب الإعلامية بجدارة . أما آخر هذه الدول والتي لم يكن يتوقع منها الاحتلال هذه المقاومة الإعلامية فلسطين وخاصة بقطاع غزة والتي جسدتها المقاومة الفلسطينية باختراق إعلام العدو وبث عملياتها العسكرية عبر القنوات الاسرائيليه لتأكد مصداقيتها مع شعبها وتأكد مدى كذب الصحافة الاسرائيليه والناطق الإعلامي لجيش الدفاع الصهيوني.
من يقف على طبيعة الحرب الإعلامية التي يخوضها الاحتلال جنبا إلى جنب مع الحرب على الأرض تلوح له في الأفق ملامح "جماعات الإسناد" من مثقفين وكتاب إسرائيليين، وظيفتهم الأساسية هي التبرير للكثير من الأفعال التي ينفذها الجيش من خلال كلماتهم المتناثرة عبر الصحف أو شاشات التلفزيون.
بل يلجأ العديد من هؤلاء النخب المختارة والمحللين التابعين لهذه الوسائل إلى الترويج لـ"الحقيقة" كما يرونها في خدمة مصلحة "الأمن الوطني"، حتى إن أعمدة الصحف خلال فترات الحرب تعج بالتحليلات التبريرية التي تبتعد عن الحقيقة.
إلى جانب الدور التبريري الذي تقوم به وسائل إعلام الاحتلال، يأتي الدور الآخر وهو الدور التضليلي، بحيث تعمد إلى طرح بعض القضايا وفق رؤى تتبع السياسة العامة، الهدف الأساسي منها هو التضليل. وهذا ما اعتمد عليه الاحتلال في بدء أول ضرباته للقطاع، فقد ركزت كافة المؤسسات الإعلامية على الحديث عن تهديدات مستقبلية، بينما باغتت الطائرات بصواريخها العديد من الأهداف في القطاع. بعد استعراض أبرز ملامح إعلام الاحتلال أثناء خوضه للحروب، يبقى التساؤل للطرف الآخر وهو الضحية، كيف له أن يتابع هذا الإعلام، وما الجدوى من متابعته؟ وكيف يحصن ذاته الداخلي؟
لمحاولة الإجابة على هذه التساؤلات، يمكن القول إنه بات من الضروري جدا أن تعرف الضحية مع من تتعامل، وكيف يفكر الآخر، بل يجب قراءة العمق الذاتي له من خلال كلمات أو عبارات يسطرها عبر وسائل إعلامه، لكن في الوقت نفسه يجب أن يكون ذلك ضمن محاذير عدة: أولا: الرصد والمتابعة: تشكل المتابعة الأولية والدقيقة لكل ما ينشر في وسائل إعلام الاحتلال عن مجريات الواقع مخزونا كبيرا من المعرفة، وهو ما يساعد على تحليل ذات العدو، والتعرف على أهدافه وتفكيره، وكيفية الرد عليه. ثانيا: التشكيك: هناك قاعدة أساسية يتوجب التعامل معها في متابعة الإعلام الإسرائيلي، وهي أنه ليس كل ما ينشره حقيقة، فلابد من التشكيك في كل جزئية منه. ثالثا: الحقائق: نشر الحقيقة دائما والتواصل مع المواطنين، أحد الأسلحة التي يمكن فيها مواجهة الإشاعة والحرب النفسية التي قد يحاول الاحتلال من خلالها التسلل إلى نفوس المواطنين، وهذا يكون من خلال عرض الحقائق للمواطن دون التقليل أو التهويل. رابعا: التوازن: الخطاب العاطفي وحده يزول بزوال السبب، والخطاب العقلاني وحده يجعل الجماهير تعيش في جمود من شأنه أن ينفرها، وهنا لابد من أن يتم تشكيل إعلام ذاتي داخلي يوازن في طرحة للواقع الذي يعيشه المواطن، بحيث يكون مزيجا ما بين العاطفة والخطاب العقلي المستندين إلى حقائق على الأرض.
إذا إن صح تعبيري لم تعد إسرائيل كما تدعي كيان ديمقراطيا وحربه الإعلامية باتت مكشوفة فإعلام المقاومة الحق قد سحق إعلامها ودعايتها النفسية وكشفت مدى زورها بنشر أخبارها حتى لدى شعبها اليهودي المتغطرس. فلسطين أرض لشعب فلسطيني وسيثبت الزمان والأيام مدى كذب مقولة الفيلسوف الصهيوني يسرائيل زنجفيل أرض بلا شعب لشعب بلا أرض.
القسم : الأخبار - الزيارات : [556] - التاريخ : 16/2/2009 المصدر : خاص قناة المنار |