|
|
|
|
|
 |
السيدة زينب (ع) - كان هذا مقدرا مكتوبا |
|
كان هذا مقدرا مكتوبا ثم أشارت عليها السلام الى الناس, فسكتت أصواتهم, وطارت نفوسهم خشية من جلال الموقف ورهبته, وأخذت تخاطبهم قائلة: ـ"الحمد لله, والصلاة والسلام على أبي محمد وآله الطيبين الأخيار, أما بعد, يا أهل الكوفة, يا أهل الختل, والغدر, أتبكون, فلا رقأت الدمعة, ولا هدأت الرنة, انما مثلكم كمثل التي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا تتخذون أيمانكم دخلا بينكم, ألا وهل فيكم الا الصلف والنطف والكذب والشنف وملك الاماء وغمز الأعداء, أو كرعي على دمنة , أو كغضة ملحودة, ألا بئس ما قدمت لكم أنفسكم أن سخط الله عليكم وفي العذاب أنتم خالدون. أتبكون وتنتحبون, اي والله فابكوا كثيرا واضحكوا قليلا, فقد ذهبتم بعارها وشنارها, ولن ترحضوها بغسل أبدا, وأنى ترحضون قتل سليل خاتم النبوة, ومعدن الرسالة مدرة حجتكم ومنار محجتكم, وملاذ خيرتكم, ومفزع نازلتكم, وسيد شباب أهل الجنة, ألا ساء ما تزرون." "فتعسا ونكسا وبعدا لكم وسحقا, فلقد خاب السعي وتبت الأيدي وخسرت الصفقة, وضربت عليكم الذلة والمسكنة, ويلكم يا أهل الكوفة, أتدرون أي كبد لرسول الله فريتم, وأي كريمة له أبرزتم, وأي دم له سفكتم, وأي حرمة له انتهكتم, لقد جئتم شيئا ادا, تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا. ولقد أتيتم بها خرقاء شوهاء كطلاع الارض وملء السماء, أفعجبتم ان مطرت السماء دما, ولعذاب الآخرة أخزى وأنتم لا تنصرون. فلا يستخفنكم المهل, فانه لا يحفزه البدار, ولا يخاف فوت الثار, وان ربكم لبالمرصاد". أدهش خطابها البليغ الذي تدفق من لسانها كسيل حطة جلمود صخر من عل, هؤلاء القوم وأثر فيهم, وأيقظ أفئدتهم, وأظهر لهم شنيع جرمهم, فأخذوا وقد أدركوا فجيعة فاجعتهم وعظيم جنايتهم في حق الاسلام والمسلمين, فلا يدرون ما يصنعون. ولما أدخل أهل البيت النبوي الكريم ومن معهم الى حيث اللعين عبيد الله بن زياد والي الكوفة من قبل يزيد بن معاوية, والذي كان حربا على أهل البيت عليهم السلام, لكرهه الشديد للامام الحسين لما ادخلوا الى هذا المكان, تذكرت السيدة العقيلة عليها السلام تلك القاعة التي يجلس فيها قاتل أخيها وأهلها وأنصارهم, بعد أن كان يجلس فيها ـ من قبل ـ أبوها أمير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام. دخلتها السيدة العقيلة زينب هذه المرة, وقلبها متصدع من الحزن والأسى من أثر ما مر بها من أحداث جسام شهدتها بعيني رأسها ولمستها بأيديها عن كثب, ولكنها لاذت بكل كبريائها وعزة نفسها وكرامة محتدها, واعتزت بعلو حسبها ونسبها الشريفين, والتفت بجلال النبوة، وجلست, بعد أن كانت قد لبست أبلى ثيابها وأرذلها متنكرة فيها, منتحية ناحية من القاعة تحف بها اماؤها. فنظر اللعين ابن زياد الى الحاضرين أمامه وتفحص كلا منهم بنظرة, ثم تساءل عن هذه المنحازة وحدها ومعها نساؤها وهي شامخة الرأس عالية, فلم تجبه العقيلة السيدة زينب, فأعاد تساؤله ثلاثا دون ان ترد عليه, فقال بعض امائها, هذه زينب بنت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله, وبنت الامام علي عليه السلام, فقال متشفيا فيها: ـ الحمد لله الذي فضحكم وقتلكم وأكذب أحدوثتكم. فردت عليه العقيلة السيدة زينب عليها السلام بكل اباء وشمم وترفع: ـ الحمد لله الذي أكرمنا بنبيه صلى الله عليه وآله وسلم وطهرنا من الرجس تطهيرا, انما يفتضح الفاجر ويكذب الفاسق وهوغيرنا. فلم يصبر اللعين بن زياد على قولها, بل رد عليها قائلا: ـ كيف رأيت صنع الله في أهل بيتك وأخيك؟ وهنا تتجلى كل معاني الايمان والصبر والشجاعة, فترد عليه بقولها: ـ ما رأيت الا خيرا, هؤلاء قوم كتب الله عليهم القتل فبرزوا الى مضاجعهم, وسيجمع الله بينك ويبنهم فتحاج وتخاصم, فانظر لمن الفلج يومئذ, ثكلتك امك يا ابن مرجانة. فأثار هذا الرد الحازم الحاسم حفيظة اللعين ابن زياد واستشاط غيظا وغضبا, فقال له عمرو بن حريث: ـ أصلح الله الأمير, انما هي امرأة, وهل تؤاخذ المرأة بشيء من منطقها, انها لا تؤاخذ بقول ولا تلام على خطل. ولكن اللعين ابن زياد ظل غاضبا محنقا, فرد على السيدة الطاهرة بقوله: ـ لقد شفي الله قلبي من طاغيتك الحسين والعصاة المردة من أهل بيتك, فقالت له: ـ لعمري لقد قتلت كهلي وقطعت فرعي واجتثثت أصلي, فان كان في هذا شفاؤك فلقد اشتفيت. فرد عليها اللعين ابن زياد قائلا: ـ هذه سجاعة, ولعمري لقد كان أبوها سجاعا شاعرا, فقالت: ـ يا ابن زياد, ما للمرأة والسجاعة, وان لي السجاعة لشغلا, واني لأعجب ممن يشتفي بقتل أئمته, ويعلم أنهم منتقمون منه في آخرته. أثار هذا النقاش الصريح بين العقيلة الطاهرة السيدة زينب عليها السلام وبين اللعين ابن زياد, غيرة زين العابدين علي بن الحسين عليه السلام على عمته العقيلة, فانبرى صائحا بابن زياد: ـ الى كم تهتك عمتي بين من يعرفها ومن لا يعرفها؟ فالتفت اليه ابن زياد وقال: ـ من أنت؟ فرد عليه في حزم وثبات: ـ أنا علي بن الحسين. قال ابن زياد: ـ أليس الله قتل عليا بن الحسين؟ قال علي: ـ كان لي أخ يسمى عليا قتله الناس بأسيافهم. فرد اللعين عليه: ـ بل قتله الله. وهنا تتجلى مرة أخرى, قوة ايمان أهل البيت وشجاعتهم, عندما رد زين العابدين بقوله: ـ الله يتوفي الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها.... فيسأله ابن زياد عليه اللعنة في دهشة وغضب: ـ أو بك جرأة على جوابي, وفيك بقية للرد؟ وصاح بغلمانه أن ينظروا هل أدرك, اني لأحسبه رجلا. فكشف عنه مري بن معاذ الأحمري, وقال: ـ نعم, قد أدرك, قال: ـ اقتله. فقال علي: ـ من توكل بهذه النسوة؟ فتعلقت العقيلة السيدة زينب عليها السلام بزين العابدين علي عليه السلام وقالت: ـ يا ابن زياد حسبك من دمائنا ما ارتويت وسفكت, وهل أبقيت أحدا غير هذا؟ والله لا أفارقه, فان قتلته فاقتلني معه. وعندئذ قال علي بن الحسين عليه السلام: ـ اسكتي يا عمة حتى أكلمه. والتفت الى اللعين ابن زياد وقال: ـ أبا القتل تهددني؟ أما علمت أن القتل لنا عادة, وكرامتنا من الله الشهادة؟ فنظر ابن زياد اليه والى العقيلة الطاهرة عمته ساعة, ثم قال: ـ عجبا للرحم, والله اني لأظنها ودت لوأني قتلته أني قتلتها معه, دعوه ينطلق مع نسائه فاني أراه لما به مشغولا. ثم أمر ابن زياد, عليه اللعنة, برأس الحسين عليه السلام فطافوا به في الكوفة, وكان هذا الرأس الشريف, أول رأس حمل في الاسلام على خشبة.
القسم : السيدة زينب (ع) - الزيارات : [1252] - التاريخ : 6/5/2009 المصدر : الادارة |
|
| | |
|
|
|
 |